محمد حسين علي الصغير
133
مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية
ولا نريد أن نعيد هذا المعجم المشحون بنماذجه التطبيقية ، إذ أفردناه فيما مضى بعمل بلاغي مستقل تابعنا فيه من سبق ، فمن شاء فليرجع إليه ففيه الغنية والمزيد ، من هذه الأبعاد الشاقة « 1 » . والذي نريد أن نشير إليه هنا ، أن القرآن الكريم في نصه الإعجازي لم يكن ناظرا إلى تلك التفصيلات لدى إيراده علاقة المجاز العقلي ، وإنما كان متنقلا بالذهن العربي إلى آفاق جديدة من التعبير الموحي والبيان الطلق ، ومتحدثا إلى الطبيعة الإنسانية بما يلائم فطرتها النقية ، دون تزيد في المراد ، أو عنت في الأداء ، وكان انتشار العلاقة تابعا لمذاق الباحث في الاستنتاج ، ولا تعنيه الأسماء والتقسيمات لأنها من صنع البلاغيين ، لهذا نجده في هذا الملحظ ، وإن استخرج علماء البلاغة كل أصناف العلاقات من آياته الكريمة ، يدور في فلك النفس فيملأ فراغها ، ويسد نقصها ، بما يجعلها أهلة لتلقي النص بذائقة سليمة ، لهذا نجده يشيع الحس بالكائنات الصامتة ، ويضفي القدرة على ما لا حول له ولا قوة ، ويسند الفاعلية إلى الجمادات ، وإذا بها متحركة بعد سكون ، ويستنطق المعالم المبهمة وإذا بها مبينة بعد سكوت ، وما ذلك إلا من مظاهر الاعتداد بظاهرة المجاز البيانية ، بعيدا عن التساؤلات المقحمة ، أو الهذر في التفصيلات الأعجمية ، وهو بهذا الملحظ يفجر روافد بلاغية جديدة ، ذات إطار تجدّدي سليم ، على مجموعة الممارسات البيانية الحسية والعقلية في اللغة العربية الكريمة ، والتي يمكن أن ننظر لها بمجموعة فياضة من شتى العلاقات في المجاز العقلي للقرآن الكريم ، دون اللجوء إلى ظاهرة التعقيد أو التقعيد : 1 - في قوله تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 2 ) ، « 2 » نسبت زيادة الإيمان إلى آيات اللّه تعالى في قرآنه الكريم ، ولما كان الأصل في الأيمان وزيادته هو التوفيق الإلهي الصادر عن اللّه عزّ وجلّ ، علم بالضرورة أن نسبة زيادة الإيمان إلى الآيات بإضافتها إليها ، إعلاء منه تعالى لشأن هذه الآيات
--> ( 1 ) ظ : المؤلف ، أصول البيان العربي : 48 - 56 . ( 2 ) الأنفال : 2 .